أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
126
العقد الفريد
أقدامهم في صلاتهم ؛ تجري دموعهم على خدودهم ، يجارون « 1 » إلى ربهم : ربّنا ربّنا ! يطلبون فكاك قلوبهم ؛ وأما بالنهار فعلماء حلماء بررة أتقياء ؛ كأنهم القداح . القداح : السهام ، يريد في ضمرتها - ينظر إليهم الناظر فيقول مرضى ، وما بالقوم من مرض ؛ ويقول : خولطوا ؛ ولقد خالط القوم أمر عظيم . لابن عمار في الزهد : وقال منصور بن عمار في مجلس الزهد : إن للّه عبادا جعلوا ما كتب عليهم من الموت مثالا بين أعينهم ، وقطعوا الأسباب المتصلة بقلوبهم من علائق الدنيا ؛ فهم أنضاء عبادته ، حلفاء طاعته ، قد نضحوا « 2 » خدودهم بوابل دموعهم « 3 » ، وافترشوا جباههم في محاريبهم ، يناجون ذا الكبرياء والعظمة في فكاك رقابهم « 4 » . عمر بن عبد العزيز في مرضه : ودخل قوم على عمر بن عبد العزيز يعودونه في مرضه وفيهم شاب ذابل ناحل ؛ فقال له عمر : يا فتى ، ما بلغ بك ما أرى ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، أمراض وأسقام ! قال له عمر : لتصدقنّي . قال : بلى يا أمير المؤمنين ، ذقت يوما حلاوة الدنيا فوجدتها مرة عواقبها ؛ فاستوى عندي حجرها وذهبها ؛ وكأني أنظر إلى عرش ربنا بارزا ؛ وإلى الناس يساقون إلى الجنة والنار ؛ فأظمأت نهاري وأسهرت ليلي ؛ وقليل كلّ ما أنا فيه في جنب ثواب اللّه وخوف عقابه . وقال ابن أبي الحواري : قلت لسفيان : بلغني في قول اللّه تبارك وتعالى : إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ « 5 » : الذي يلقي ربه وليس فيه أحد غيره . فبكى وقال : ما سمعت منذ ثلاثين سنة أحسن من هذا التفسير .
--> ( 1 ) يجأرون : يغصون في صدورهم . ( 2 ) نضحوا : رشوا . ( 3 ) الوابل : المطر . ( 4 ) فكاك رقابهم : عتقها من النار . ( 5 ) سورة الشعراء الآية 89 .